مقال سعادة سفير دولة قطر لدى كندا المنشور في موقع (iplolitics) الكندي

 

قطر تحاصـــر الحصار

بقلم: فهد محمد كافود سفير دولة قطر لدى كندا

أصبحنا في 5 يونيو الماضي على قيام أربع دول بإصدار قرار محاصرة قطر براً وجواً وبحراً، وذلك في أعقاب حملة أكاذيب وافتراءات استمرت عشرة أيام، اتضح إثرها أن مؤامرة خطيرة قد حاكتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر لاستهداف سيادة دولة قطر والنيل من استقلالية سياستها الخارجية أملاً في إحداث تغيير لنظام الحكم فيها.

وبالرغم من وقع المفاجأة التي لم تخطر على بال أي مواطن قطري،  في أن تدبر الدول الجارة الشقيقة مثل هذا الأمر، وتفرض عليه حصاراً جائراً لا سابق له، ودون أي مبرر أو مسوغ قانوني أو سند إلى شرعية دولية كمجلس الأمن الدولي أو حتى منظومة مجلس التعاون الخليجي، فقد سارعت الدول الأربع إلى تفعيل قراراتها بإغلاق المنفذ البري الوحيد لقطر مع السعودية ومنع مرور الشاحنات، وإغلاق أجوائها أمام الطيران القطري مهددة بذلك سلامة هذه الرحلات والملاحة الجوية بصورة عامة في المنطقة، بالإضافة إلى رفضها استقبال السفن القطرية أو تلك المتجهة إلى قطر، بل تعدى ذلك إلى رفض تزويد هذه السفن بالوقود.

وبلغ التصعيد إلى حدّ التلويح بإجراءات تطال الشركات الغربية والمستثمرين الأجانب. من ذلك ما صدر عن سفير الإمارات في موسكو في حوار نشرته صحيفة (الغارديان) البريطانية عندما قال إن من بين "العقوبات الإضافية" التي تفكر دول الحِصار في فرضها على قطر أن تخيّر الشركات العالمية الكبرى بينها وبين قطر، على ما في ذلك من مخالفة صريحة لقوانين التجارة الدولية.

وبفضل من الله، وبحكمة وتقدير القيادة السياسية، نجحت الحكومة القطرية في استيعاب هذه الصدمة واحتواء تبعات إجراءاتها الظالمة من خلال اتخاذ إجراءات فورية تكفل إعادة الأمور إلى نصابها دون أن تتأثر الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين في دولة قطر، خاصة وأن الدول الأربع كانت تصبو إلى النيل من إرادتهم لتحقيق مآربها السياسية إلا أنها اصطدمت بلحمة المجتمع القطري والتفافه حول قيادته.

وبخلاف الدول الأربع فقد تميز موقف الحكومة القطرية على مدار هذه الأزمة بالحكمة والتأني والثبات ورفض اتخاذ إجراءات مماثلة لتلك التي اتخذتها الدول الأربع، بل إنها استمرت بتقديم الدعم والرعاية الصحية والخدمات التعليمية لمواطني الدول الأربع المقيمين في قطر، وبتجهيز الإمارات بحاجتها اليومية من الغاز الطبيعي، مطالبة على مدار ثلاثة أسابيع الدول الأربع بتقديم أي أدلة تثبت ادعاءاتها، وبعد نفاد صبر المجتمع الدولي لعدم تقديم أي دليل واتضاح الأغراض السياسية الداخلية لهذه الحملة التي لا تمت بأي صلة لمزاعم محاربة الإرهاب، اضطرت الدول الأربع بتاريخ 23 يونيو إلى وضع قائمة مطالب مليئة بالتناقضات جرى انتقادها من قبل قادة العالم كونها غير واقعية أو قابلة للتنفيذ ومستفزة وجائرة وتخالف القانون الدولي، حيث كان واضحاً بأنها تطالب دولة قطر بتسليم سيادتها مقابل رفع الحصار عنها، ودفع أموال طائلة لها تحت مسمى "التعويضات" لمعالجة أزماتهم الاقتصادية.

أما بالنسبة للاقتصاد القطري، فقد حافظ منذ بدء الأزمة على تماسكه، حيث عمدت قطر إلى تنويع اقتصادها بالتركيز على قطاع الخدمات والذي من الصعب أن يكون للحصار تأثير عليه، خاصة وأن صناديق قطر السيادية تمثل 250% من الناتج المحلي الإجمالي، وتبلغ أصولها ما يقارب 300 مليار دولار أمريكي. وحتى بالنسبة للتجارة،  فقد كان التأثير محدوداً نظراً لكون حصة الحدود البرية مع السعودية فقط 14%، بينما استمرت صادرات قطر إلى اليابان والهند وكوريا الجنوبية والصين والتي تمثل ثلاثة أرباع الصادرات القطرية، حيث التزمت قطر بجميع تعهداتها مع شركائها الاقتصاديين حول العالم.

وقد ساعد في استيعاب آثار هذا الحصار ميناء حمد الجديد الذي هو أكبر موانئ المياه العميقة في المنطقة بطاقة استيعابية تتراوح بين 5 و7 مليون حاوية سنوياً، والذي بادر بإعلان تدشين 5 خطوط ملاحية بديلة إلى كل من سلطنة عُمان والهند.

كما لعب مطار حمد الدولي الذي يصنف على أنه المرفأ الجوي السادس في العالم بطاقة استيعابية ستصل إلى 50 مليون مسافر سنوياً دوراً مهماً، مستعيناً بأسطول الخطوط القطرية (أفضل ناقل جوي لعام 2017) والذي يبلغ حوالي 200 طائرة شحن وركاب، مع إضافة 10 وجهات جديدة لطائراتها هذا العام لتبلغ 152.

وبالنسبة للوضع المالي، فبالرغم من سعي مسؤولي الدول الأربع من خلال تصريحاتهم ومن خلال الافتراءات والبيانات المغلوطة التي بثتها وسائل الإعلام التابعة لهم والرامية لزعزعة الثقة الدولية به، فقد حافظ الريال القطري على قيمته مقابل الدولار الأمريكي، وحافظ كذلك تصنيف قطر الائتماني على مركزه بين أفضل 25 دولة في العالم رغم التعديلات الأخيرة عليه، مستنداً على قوة الاقتصاد والمصارف القطرية، حيث تبلغ احتياطات مصرف قطر المركزي حوالي 40 مليار إلى جانب الاحتياطات النقدية الاستراتيجية لوزارة المالية القطرية، بالإضافة إلى أن الحصار والأزمة لم يمنعا قطر من المضي في مشاريعها التنموية، حيث أُعلن الأسبوع الماضي عن رفع الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال بنسبة 30%، وتوقيع عقد مع شركة توتال لتوسيع إنتاج حقل الشمال، لتحافظ قطر على مكانتها كأكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، وثاني أكبر مُصدّر للغاز، آخذين بعين الاعتبار استمرار تنفيذ مشاريع البنى التحتية تنفيذا للرؤية 2030 واستعداداً لاستضافة كأس العالم 2022، مما يعني بأن الفرص المتاحة للشركات الأجنبية ومن ضمنها الكندية لن يكون لها نظير في المنطقة، خاصة وأن البيئة الاستثمارية القطرية مبنية على رؤى مستقبلية بعيدة عن الفوضى والتأثر بالأزمات الجانبية.

ولعل الدرس الذي تعلمته قطر بالرغم من قساوته وصعوبته، ومع اجتيازها لامتحانه، كانت له مردودات أخرى إيجابية تمثلت في تعزيز استقلالية الاقتصاد القطري عن اقتصاديات الدول الأربع، وزيادة الصادرات القطرية ودور ومكانة دولة قطر في الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى تنويع واردات قطر في قطاعات مختلفة ودون اعتبارات المجاملة التي كانت تقيمها لمؤازرة الدول الجارة الثلاث، حتى أن شركات هذه الدول بدأت تسعى دون جدوى للعودة إلى السوق القطرية من خلال دول ثالثة،  مما يظهر بشكل جلي بأن هذا الحصار لم يفشل في تحقيق مآربه السياسية فحسب، بل فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق غاياته الاقتصادية.

***